الأحدثالأكثر مشاهدةشعر الحب

شرح قصيدة البردة لكعب بن زهير

كعب بن زهير

هو الشاعر المخضرم كعب بن زهير بن أبي سُلمى المزني أبو المضرَّب، ويعود نسبه لقبيلة مزينة وهي من قبائل مضر، ويُقصد بالمخضرم أنَّه عاش في عَصري ما قبل الإسلام وصدر الإسلام، وقد ورث الشعر عن أبيه الذي علَّمه لأولاده منذ صغرهم ولقَّنهم إيّاه، ولم تكن مواقف ابن زهير مشرِّفةً قبل الإسلام فقد شبَّب نساء المسلمين وهجا النّبي محمدًا صلّى الله عليه وسلّم فأهدر النبي دمه ولكنَّه حينما جاءه مستأمنًا عفا عنه النبي، ولقد اشتهر كعب بلاميّته بانت سعاد وكان قد أنشد قصيدته هذه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهرت قصائده برصانة اللغة وفخامة الأسلوب، وفي هذا المقال نقدّم مناسبة القصيدة بالإضافة إلى شرح لقصيدة البردة[١].

مناسبة قصيدة البردة

كان كعب بن زهير يعيش في العصر الجاهلي ثم بدأ الإسلام بالانتشار وأخذ الناس يتحدثون عن الدين الجديد، فذهب مع أخيه بجيرًا إلى المدينة المنورة لاستطلاع خبر الدين الجديد بالإضافة لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم إذ إن والده أوصاه قبل وفاته إذ قال: “يا بني!! إنه سينزل حبل من السماء فتمسكوا به”[٢]، ولكنه أرسل بجيرًا ليلتقي بالرسول عليه السلام وقد تأخر بجيرًا فغضب كعب بن زهير فنظم قصيدة هجا فيها النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام ووبخ أخاه بجيرًا ومطلع القصيدة كان:

ألا أبلغا عني بجيرا رسالة *** فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا

سقاك بها المامون كاسًا روية *** فانهلك منها المامون وعلكا

ففارقت أسباب الهدى واتبعته *** على أي شيء ويب غيرك دلكا

على مذهب لم تلف به أما ولا أبا *** عليه ولم تعرف عليه أخا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف *** ولا قائل إما عثرت لعا لك

وعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الهجاء أمر بهدر دمه، فأخبره أخوه ونصحه أن يعتذر للرسول صلى الله عليه وسلم، فذهب للاحتماء بقبيلته وأقربائه الذين تخلوا عنه، وهنا قرر أن يدخل الإسلام فجاء كعب بن زهير ودخل المسجد النبوي وسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، واعتذر له وطلب مسامحته والعفو عنه ثم قال قصيدته المشهورة بانت سعاد التي يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم كما مدح بها المهاجرين، وقد سميت القصيدة بالبردة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُعجب بقصيدة كعب بن زهير فخلع بردته وأهداه إياها فاحتفظ ببردة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى وفاته ولم يقبل ببيعها ولكن عندما توفي باع أبنائه البردة لمعاوية.[٣]

شرح قصيدة البردة

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيّم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلّا أغنّ غضيض الطرف مكحول

هيفاء مُقبلة عجزاء مدبرة *** لا يُشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلمٍ إذا ابتسمت *** كأنّه منهل بالراح معلول

شُجَّت بذي شبَمٍ من ماءٍ مَحنيةٍ *** صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمول

تجلو الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوبِ ساريةٍ بيضٍ يعاليل

كعادة الشعراء يبتدئ الشاعر هنا قصيدته بمقدمة غزلية بالحديث عن محبوبته وفراقها له الذي دمّر قلبه لشدّة تعلّقه بها وهيامه فلم يزل مقيّدًا مأسورًا لها فلا يستطيع نسيانها، ويذكر صفات محبوبته إذ إنّ في صوتها غنّةً كصوت صغير الظبي وعينيها كعينيه مكحولتان وتمتاز بالحياء الذي يبدو في طرفها، وخصرها نحيلٌ وجسمها متناسق ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، وإذا ابتسمت هذه المحبوبة فإنّ ابتسامتها تظهر منها أسنان بيضاء لامعة كأنّها مسقيّة بالخمر.[٢]

يا ويحها خلّة لو أنّها صدقت *** ما وعدت أو لو أنَّ النصح مقبول

لكنها خلّة قد سيط من دمها *** فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديل

فما تدوم على حالٍ تكون بها *** كما تلوَّن في أثوابها الغولُ

وما تمسَّك بالوصل الذي زعمت *** إلّا كما تمسك الماء الغرابيل

كانت مواعيد عرقوب لها مثلًا *** وما مواعيدها إلّا الأباطيل

أرجو وآملُ أن يعجلن في أبدٍ *** وما لهنَّ طوال الدهر تعجيل

فلا يغرنَّك ما منَّت وما وعدت *** إنَّ الأماني والأحلام تضليل

ينتقل الشاعر هنا إلى وصف مواعيد محبوبته التي تتشبّه في مواعيد عرقوب  فهي دائمة الإخلاف للمواعيد فيتمنّى لو أنّها تتقبَّل نصيحته أو أنَّها تصدُق في مواعيدها لكنّها من طبيعتها التبدُّل وعدم التمسّك بأقوالها وأحوالها كالغربال تمامًا الذي لا تبقى فيه ذرّة ماء ولو للحظة، ويوصي بأن لا ينخدع أحد بوعود النساء فإنَّهنَّ يُضللنك بآمالهنّ وأحلامهنَّ.

أمست سعاد بأرضٍ لا يبلّغها *** إلّا العتاق النجيبات المراسيل

ولن يُبلّغها إلّا عُذافرة *** فيها على الأين إرقالٌ وتبغيل

ينتقل الشاعر هنا إلى القسم الثاني من القصيدة وهو وصف الناقة التي يصفها بالصلابة والقوّة فتجوب الصحراء دون أن يرهقها أو يوقفها حرّها الشديد ويثنيها عن مسيرتها، وتمتاز أيضًا بحدّة البصر فترى كلَّ ما يمكن أن يغيب عن بصرها فعينيها كعيني الثور الوحشي الأبيض، وكذلك فهي متميّزة عن بنات جنسها بالقوّة وعرض الرقبة واكتناز لحمها وجسمها أملس لا تستطيع القرادة أن تقف عليها وفي هذا كناية عن سلامة بنيتها، وهذه الناقة تمتلك ضرعين خاليين من الحليب لأنّها لم تلد ومن هنا اكتسبت قوّتها ومن سرعتها تضرب بذيلها على ضرعها أثناء المسير.

كلُّ ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يومًا على آلة حدباء محمول

أُنبئت أنَّ رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمول

ينتقل الشاعر هنا إلى الحديث عن الوشاة الذين وشوا به ويتحدَّث عمَّن استجار بهم من قومه وأصحابه فلم يجيروه فأصبح وحيدًا ولم يجد ملجئًا يلتجئ إليه غير الله، فيذكر في هذه الأبيات أنَّ كلَّ ما قدّر الله كائن ويتحدّث عن حقيقة الموت التي هي مصير كل إنسان فلن يخاف الشاعر من هذا الموت وسيذهب إلى الرسول محمد صلّى الله عليه وسلم طالبًا العفو منه وإسقاط حكم هدر دمه فالعفو يؤمل من هذا النبي فهو صاحب رسالة الإسلام السّامية وأُنزل عليه القرآن الكريم، ويتحدث عن خوفه عندما أتى لطلب السماح والعفو من النبي حتى أنَّ الفيل مع شجاعته وعظمة بنيته وضخامتها يرتعد لهذا الموقف ويرتعش جسمه.

إنَّ الرسول لنورٌ يُستضاءُ به *** مهنَّدٌ من سيوف الله مسلول

يصف كعب بن زهير هنا الرسول بالنور الذي أنار به الأمَّة فاهتدت بهديه ورسالته رسالة الحق التي جاء بها، وكذلك فهو سيف أرسله الله لمحاربة الكفّار والمشركين.

شُمُّ العرانين أبطالٌ لبوسهم *** من نسج داوود في الهيجا سرابيل

وهنا يُخصص الشاعر جزءًا من قصيدته لمدح المهاجرين الذين افتدوا رسول الله بأرواحهم واتّبعوه، ويصف إتقان صنع لباسهم في الحرب كأنَّها قد نسجها داوود عليه السلام، ويتَّصفون بالعزة والترفع عن كلِّ ما هو دني يتَّجهون للقتال في المعركة بكلِّ شجاعة وعزم وسرعة تقيهم طعن العدو لهم كما وصفهم بالقوة والشجاعة والاستبسال في القتال بالحرب وأنهم لا يفرحون بالنصر؛ لأنَّه من عاداتهم ولا يجزعون من لقاء العدوِّ وقتاله لثقتهم بالنصر.[٤]

معاني أبرز الكلمات في قصيدة البردة

فيما يلي شرح لمعاني بعض الكلمات:[٥]

  • بانت: فارقت، رحلت.
  • البين: الفراق.
  • مكحول: في عينه سواد دون اكتمال.
  • المكبول: المقيد.
  • غداة: صباح يوم.
  • المتبول: الشخص الذي أضناه الحب.
  • المتيم: الذليل.
  • الغرابيل: ما كان يحمل عليه الماء.
  • عرقوب: اسم شخص في الجاهلية مشهور بإخلاف المواعيد.
  • العهد: وعد المحبين.
  • الأباطيل: الأكاذيب.
  • ما منت: ما جعلتك تتمناه.
  • الأغن: الصوت الذي فيه غُنّة.
  • غضيض الطرف: فاتر اللحظ، منكسر العين.
  • العواض: الأسنان.
  • الظلَم: ماء الأسنان وبريقها.
  • لا يغرنك: لا يخدعك.
  • الراح: الخمر.
  • النهل: الشرب الأول.
  • العل: الشرب الثاني.
  • الخلة: الصديقة.
  • سيط: خلط.
  • الولع: الكذب.
  • الغول: حيوان من حيوانات الأساطير.
  • العتاق: النوق الكريمة، النجيبات: السريعات، المراسيل: خفيفة السير.
  • عذافرة: صلبة شديدة
  • الآلة الحدباء: يعني بها النعش.
  • البيداء: الصحراء.
  • أنكاس: ضعفاء.
  • الكشف: وهم من لا ترس معهم في الحرب.
  • معازيل: من لا سلاح معهم.
  • شم: مرتفع، عرانين: جمع عرنين وهي أرنبة الأنف.
  • سرابيل: دروع.
  • بيض سوابغ: دروع صافية سابغة.
  • فقعاء: شجر كالدروع له أوراق وثمار.
  • تنابيل: قصار.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button
Close
Close