الأحدثالأكثر مشاهدةشعر الحب

شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب ابناءها

قائل قصيدة اللغة العربية تعاتب أبناءها

هو الشّاعر محمد حافظ إبراهيم فهمي، من مواليد أسيوط عام 1872 ميلاديًّا، كان والده يعمل مهندسًا للري، ووالدته تركية الأصل، وقد كان عمره أربعة أعوام حين توفي والده، ثم انتقل مع والدته ليعيش في مدينة طنطا في منزل خاله، وهناك حفظ القرآن في الجامع الأحمدي، ودرس الأدب والشعر، ودرس في المدرسة الحربية وتخرَّج منها برتبة ملازم ثانٍ في الجيش المصري عام 1891، وعمل بعد تخرجه من المدرسة الحربية بالمحاماة، ثم انتقل ليعمل في وزارة الداخلية، ثم ذهب إلى السودان في الحملة المصرية، ثم عاد إلى مصر ثم عُيّنَ في دار الكتب المصرية كرئيس للقسم الأدبي حتى أُحيل للمعاش، وتوفي في الحادي والعشرين من تموز عام 1932، وذلك بعد خروجه على المعاش ببضعة أشهر.


صدرت لحافظ إبراهيم العديد من الكتب والمؤلفات منها كتابه في النقد الاجتماعي “ليالي سطيع”، وكتاب في “التّربية الأولية” الذي تُرجم من الفرنسيّة وكتابه الذي اشترك في إصداره مع خليل مطران بعنوان “الموجز” في علم الاقتصاد وترجمة “البؤساء” لفيكتور هوغو؛ ونتطرَّق في هذا المقال لشرح قصيدةٍ من قصائده وهي اللغة العربية تعاتب أبناءها[١].

شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب أبناءها

رجعتُ لنفسي فاتَّهمتُ حصاتيوناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقمٍ في الشّباب وليتنيعقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدتُّ فلمَّا لم أجد لعرائسيرجالًا وأكفاءً وأدتُ بناتي


جعل الشاعر اللغة العربيّة أُمًّا تتكلَّم وتشكو عقوق أبنائها لها، فتقول اللغة إنَّها عادت إلى نفسها تراجعها بما اتُّهمت به من قصورٍ وعجزٍ عن مواكبة العصر، ونادت قومها الذين يتكلَّمون بها فلمَّا لم يستجب لها أحد احتسبت حياتها عند الله تعالى فهؤلاء القوم اتَّهموها بالعقم وعدم المقدرة على التجدد وهي الشابة الولودة فتمنَّت لو أنَّها عقيمةٌ أصلًا حتى لا تحزن بما اتُّهمت به من القصور والعقم، ثمَّ تثبت أنَّها ليست مصابةً بالعقم وأنَّها معطاءة متجددة فهي قد أنتجت العديد من الألفاظ الجديدة والكثيرة، ولمّا لم تجد القوم الأكفاء الذين يحمونها ويُحسنون استخدامها دفنت كلماتها وهي حيّة[٢].


وسعتُ كتاب الله لفظًا وغايةًوما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةوتنسيق أسماءٍ لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامنفهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي


تتحدَّث اللغة العربيَّة هنا عن أعظم صفاتها فقد وسعت أعظم الكتب وأجلها القرآن الكريم ولم تعجز عن حمل ألفاظه وغاياته وبيانه، فكيف تعجز وتضيق عن التّعبير عن اسم آلة أو مخترعٍ في الزّمان الحاضر، وتصف نفسها بالبحر العميق الذي يحتوي أجمل الجواهر فهي تزخر بالعديد من الكلمات التي لا تنتهي ولا تنضب، وتطالب قومها بسؤال من غاص وتعمَّق فيها وأصبح من أهلها عن الذي رأوه من جمالها[٣][٢].


فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسنيومنكم وإن عزَّ الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإننيأخاف عليكم أن تحين وفاتي

أرى لرجال الغرب عزًّا ومنعةًوكم عزَّ أقوام بعزِّ لغات

أتوا أهلهم بالمعجزات تفننًافيا ليتكم تأتون بالكلمات

أيطربكم من جانب الغرب ناعبٌينادي بوأدي في ربيع حياتي


تعود العربيَّة التي شبهها الشاعر بالأم إلى زجر أولادها لنأيهم عنها فهي قد آلت لأن تبلى وتفنى محاسنها بصدودهم عنها، وفيهم من يستطيع أن يُعيد لها جمالها وإن عزَّ الدواء، وتوصيهم بألا يدعوها للزّمان وليد الأعداء تعبث بها فتفنى وتحين وفاتها فيصبحون بلا هويّةٍ ولغةٍ، وتتحدَّث هذه اللغة عن الغرب الذين أصبحوا أقوياء وعزيزين بلغتهم حينما صانوها واهتمُّوا بها فجاؤوا أقوامهم بالتطوُّر والتفنن في صناعة المعجزات، أما أبناؤها لم يستطيعوا أن يأتوا حتّى بمفرداتها صحيحةً، وتتساءل هذه اللغة مستنكرةً من أبنائها إعجابهم بصوت غراب الغرب الذي ينادي بموتها ودفنها وهي في عزِّ شبابها وربيع حياتها[٢].


أرى كلَّ يومٍ في الجرائد مزلقًامن القبر يدنيني بغير أناة

وأسمع للكتاب في مصر ضجةًفأعلم أنَّ الصائحين نُعاتي

أيهجرني قومي عفا الله عنهمإلى لغةٍ لم تتصل برواة

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرىلُعابُ الأفاعي في مسيل فُرات


تستمر اللغة بالحديث عن الموت الذي تتجه إليه فهي ترى كلَّ يومٍ زلّات أبنائها وعثراتهم في الألفاظ في الجرائد تدنيها من الموت وتقرِّبها منه، وتواصل الحديث عن الضجّة التي أحدثها الكتاب في مصر حينما نادوا إلى العاميّة، وحينما تسمع هذه الصيحات تعلم أنَّها من القوم الذين سيعلنون وفاتها، تدعو هذه الأم الله أن يعفو عن أبنائها الذين هجروها إلى لغةٍ ضعيفةٍ لا أصل لها وتتعجَّب من هذه الهجران الصّادر عنهم، وتصف اللغة العامية التي نادوا بها بخليط ضعيف من اللغات نفث فيها الغرب سمهم كما تنفث الأفعى سمها في الماء العذب[٢].


فجاءت كثوبٍ ضمَّ سبعين رقعةًمشكّلة الألوان مختلفات

إلى معشر الكتّاب والجمع حافلٌبسطت رجائي بعد بسط شكاتي

فإمّا حياة تبعث الميت في البلىوتُنبت في تلك الرموس رفاتي

وإمّا مماتٌ لا قيامة بعدهمماتٌ لعمري لم يُقس بمماتِ


إن اللغة العربيّة توجهت للكتّاب الذين اجتمعوا في مجمع اللغة العربية على أن اللغة العامية قد ضمّت العديد من الزلات، بالنداء والرجاء الأخير بعد أن بثَّت لهم شكواها بأن يعملوا لإحيائها ويهتمُّوا بها، إذ إنها في خطر، فإمَّا أن تحيا وتنبت من جديد، وإمّا أن تموت موتةً لا قيامة بعدها ولا رجوع في حال استمروا باستخدام اللغة العامية[٢].

معاني أبرز الكلمات في قصيدة اللغة العربية تعاتب أبناءها

سندرج معاني أبرز الكلمات في القصيدة[٤] :

  • حصاتي: عقلي.
  • فاحتسبت: عددتها لنفسي عن الله.
  • عقمت: اتهموني بأني لا ألد وأنا شابة.
  • وأدت بناتي: دفنتهن بالحياة.
  • لفظًا وغايةً: مبنى ومعنى.
  • العظات: النصائح.
  • أحشائه: بطنه.
  • صدفاتي: جمع صدفة وهي غشاء الدر.
  • أبلى: أصبح قديمًا غير صالح للاستخدام.
  • آساتي: جمع آس ويعني الطبيب.
  • تكلوني: تتركونني.
  • ومنعة: أي ما يحمي المرء من أي شيء يسوؤه أو يهينه.
  • ناعب: صوت الغراب، والأخبار السيئة التي ينقلها.
  • ما تحته: ما تحت صوت الغراب وهو الإجهاز على اللغة.
  • العثرة: السقوط.
  • الشتات: التفرق.
  • الحزيرة: جزيرة السرب.
  • يعز: يصعُب.
  • قناتي: المراد بها القامة.
  • ودادي: محبتي.
  • البلى: الموت واختفاء الأثر.
  • الحسرات: الحزن المستمر.
  • الأعظم النخرات: العظام البالية.
  • مزلقًا: هي المكان الذي يزلق منه.
  • ضجة: صيحة.
  • نعاتي: جمع ناعٍ وهو الذي يخبر بالموت.
  • برواة: لم تنتقل من السلف إلى الخلف عن طريق الرواية التي تحفظ اللغة من التغيير.
  • لونة الأعاجم: ضعف البيان وسوء التعبير.
  • لعاب الأفاعي: ما يسيل من فم الحية وهو السم.
  • سيل فرات: مجرى الماء العذب.
  • الجمع: الحاضرون.
  • شكاتي: شكواي.
  • تبعث: تحيي الميت.
  • الرموس: القبور.
  • رفاتي: ما بقي من الجثة بعد الموت

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button
Close
Close